يصادف تاريخ اليوم مولد أعز إنسانة على قلبي؛ ماما التي لو استحضرت حسن صنيعها معنا لاحتجت عمرًا، وكلما تأملت أصعب أيامي التي وجدتها فيها كتفًا حنونًا، وحضنًا دافئًا، وقلبًا لا يتوقف عن الإيمان بي، فاضت عيني، متسائلة عن كم الجمال الذي كنت وما زلت اختبره لمجرد حضورها في أيامي!
تزامن هذا مع إنهائي لسلسلة من أرق ما رأت عيني، لدراما كوريّة تحمل اسم “عندما تمنحك الحياة ثمار اليوسفي”؛ عشت معه تجربة فريدة، جعلت من تفاعلي مع كل ما أتعامل معه بداهة بتقدير عميق يختلط بكل ذرة في كياني.
لو تابعت هذه السلسلة لوجدت أن كل مرتكز القصة هو الأم، تلك الشجرة الباسقة التي كان وجودها مصدرًا للتشبث بالحياة والسعي ما أمكن..
كل أم في هذه القصة كانت تسلم الراية لمن بعدها لتخلق من العالم مكانًا يُمكن احتماله، وتعلم الصبر على وعثائه وإيجاد معنى في كل تفاصيله..
أكثر ما جعلني أتأثّر؛ كيف أنهم مثلوا الحياة أصدق تمثيل، من عناء وكدر وابتلاءات وآلام ولحظات شك وتردد وغضب، بلا أدنى تزييف للواقع، إنما على هيئته التي نعيشها كل يوم، وكيف عبروا بكل وضوح عن والمنظور والدافع لكل شخصية نحو أحداث حياتية تلمس جوانبًا قد يختبرها كل واحد منا، وعليه شعرت بأن قلبي مثقل بالرحمة والامتنان بعده.
كيف أن الأم التي وعيت على الدنيا وهي تسخّر وقتها وجهدها وتبذل كل مواردها الذهنية والنفسية والمادية لأجلك، كانت يومًا فتاة لديها أم كذلك وتسعى لتحيا وتحقق آمالها حتى وإن كان على حساب رفاهيتها وطموحها وعالمها الذي في أغلب الوقت لا يكون كما تريد، هذا العرض الزمني الممتد لحيوات أجيال تجعل من أفقك واسعًا ومن قلبك رحبًا، ومن عينيك نهرًا..
وعلى امتداده سترى كيف أن في داخل كل فرد إحتياجًا أصيلًا للأم، يبدأ بمشهد الطفلة في بدايته تصرخ منادية على أمها الغواصة، وينتهي بها في السبعين تطلب أن تكون بجانبها وكأن الإنسان لو غزا الشيب شعره، وخانته مفاصله لن ينفك عن ميله لحضن والدته هاتفًا: احميني من قسوة الدنيا!
ولكن أتدري ما الذي قد يغيب عن الأذهان في حضرة هذا الجمال الطاغي للأمّهات، وهذا الحضور البهي لهن؟
الأب صانعًا للمشهد!
الجندي المجهول؛ الأب الذي كان هناك هادئًا داعمًا غير متصدر للمشهد، ولكن لولاه لما وجد المشهد بأكمله، كان قائمًا بدوره على أكمل وجه، لا يشكو ولا ينفس عن الكربات التي أتلفت قلبه، حتى أنه لا يشاركها في حديثه مع نفسه، ولكن عرفوا عنها عندما رددها تحت تأثير التخدير يومًا عندما علموا مرضه الجسيم، وكأن دفاعاته النفسية إنهارت مع جسده المنهك دفعة واحدة!
هذا الأب الذي كان مدركًا لدوره في أن يكون زوجًا محبًّا وصادقًا ومؤثرًا، قدّم أعظم ما يقدم لأُنثى؛ مساحة من وئام ووفاق تمارس فيها أمومتها كمعزوفة لا نشاز فيها، مطربة في كل الأحوال، في لحظات الاصطدام مع العائلة الممتدة، وفي لحظات الخبرات الأولى، وعند الفقد المضني لابن رقيق، وعند الأزمات المادية التي آلت بهم لأماكن وأدوار لا يتوقعونها، ولكن مع هذا وجوده كان مأواها الذي تركن إليه فلا تأبه أين توصلهم الدنيا، طالما كانوا معًا!
وفي الصورة العظمى، مجتمع كبير، من عمات وأجداد وقريبات، يشكلن روافد من اللطف والدعم الذي لا بد منه، وبما فيه من توجيه وتأمل وتعليق على كل العملية منبعه القلق لا النقد والتوبيخ!
لحظة كفيلة بنقلة نوعية!
كنت أنتظر أن أكون أُمًا لأتفهّم بعض تصرفات ماما وقلقها وأرقها وإلحاحها في الدعاء وخوفها الذي لا يهدأ مؤمنة بحدسها ومتجاهلة كل ما يصدر عني من تطمينات، ولم أتوقع أن أشاهد مسلسلًا يعصف بقلبي هكذا ويجعلني أتعامل مع ماما بوصفها فتاة كانت يومًا ابنة لأم تحبها كما تحبني، وأن ما شاهدته من حياتها لا يلغي أنه وفي الكواليس، أحلام وآمال، ركنتها جانبًا لتأتي بي هنا، وتسعى لأن أكمل مسيرًا اختارت إيقافه طوعًا، بعيون متلألئة وصوت يهتف حماسًا بكل إنجاز لي كأنه صادر عنها.



