حذاؤك ليس ضيّقًا يا مدّع! 

عندي أزمة شديدة، مع الذي يحاكم شعوري إزاء موقف أو حالة أمر بها، لمجرد أنه لم يختبر ما مررت به؛ فيخبرني عن ضيق أُفقي، ومبالغتي وقلة صبري، فابتسم بيأس، معلنة استسلامي فلا حديث سيفي بتهدئة ما يموج في داخلي! 

يقول الفرنجة عند الرغبة في حث أحد للتعاطف مع آخر (be in someone’s shoes)، كناية عن تخيل ما يمر فيه ثم القدرة على تقديم المواساة بناء على المحاكاة والتصور، ولكن الذي تجرّد من الرفق، سيتأفف قائلًا: كفاك شكوى حذاؤك ليس ضيقًا لماذا كل هذه الجلبة؟!

وتذكرت قول الشاعر كريم العراقي:

لا تشكُ للناس جرحًا أنت صاحبه

لا يؤلمُ الجرحُ إلّا من به ألمُ

وقلت هل يعقل أن يكون دافع التراحم فيما بيننا، أن تطوف آلام العباد بنا حتى نعطيهم الحق في عيشها، أو بأدنى تقدير نحترم ما إذا مروا بها؟

ثم تأملت لفظة المواجدة التي تعتبر من أهم مهارات المعالج النفسي، كما يعبر فرويد “إنها‏ ‏تلعب‏ ‏أكبر‏ ‏دور‏ ‏فى ‏فهمنا‏ ‏النفسي ‏لما‏ ‏هو‏ ‏أجنبي ‏بطبيعته‏ ‏عن‏ ‏ذواتنا”

ماذا يعني أن تكون متواجدًا؟

فالمتواجد هو إنسان ملاحظ في بادئ الأمر، قادر على رصد التململ، والرجفة الخفيفة، والعين الممتلئة بالدمع قبل أن تفيض، والحرج الشديد الناجم عن المشاركة، والمستعاض عنه بإشاحة النظر عند البوح، وكل ما يُنطق كلامًا مع ما يتوارى في نغمة الصوت انخفاضًا وارتفاعًا، وإيقاع الكلمات مألوفها وغريبها من هذا الإنسان، وما يُشبهه وما يتكلّفه ليخفي وراءه أمرًا! 

ولديه مهارة الانتقال من محدودية النّفس ومشاعرها الخاصة، الى نوع من الخيال الخلّاق القادر على فهم ما لم يُختبر شخصيًّا، مع محاولة إدراك مآلات ما يمرُّ به الآخر وفقًا له، لا لما هو عليه!

هل أحيانًا العائق أمام المواجدة هو معرفتنا؟

إن‏”‏معرفتنا‏” المسبقة بشكل‏ ‏شيء‏ ‏ما‏ ‏تحول‏ ‏ما‏ ‏نراه‏ ‏فعلا‏ ‏إلى ‏شيء‏ ‏آخر‏.‏

المواجدة‏ فعل تخفف متعمد، تحيّد به الأنا الخاصة بك، وتشرع في وجد الآخر، دون حمولتك الفكرية والعاطفية عن معاني الأشياء والشعور حيال حدوثها! 

ترى الأحداث والمواقف والتفاعلات في سياق مكاني وزماني يتضمن الآخر وردود فعله، فيريعك ما يريعه، ويدميك ما يؤلمه ويبهجك ما يسعده دون الاستشعار بإعدادات مفصلة على مقاس جهازك العصبي!

ومن هُنا محاولة للتعامل مع الآخرين بوصفهم ذواتًا منفصلة عنك، لها من التجربة الحياتية ما يهندس الهيكل العاطفي والمعرفي بصورة ما ليست بالضرورة أن تشبه أحدًا، لذا ما يعصف بها وما يصدر عنها ليس مادة للأحكام بقدر ما هو مادة للملاحظة المعينة على القرب والاحتواء لا التنظير والجفاء. 

ولو أدركنا المواجدة حقًّا، لبتنا أكثر حساسية من تصرفاتنا الموجهة للخارج لعلمنا المسبق بأنها تؤلم، وأكثر حساسية نحو ما لا يؤلمنا لأننا لا نعلم كيف سيستقبله الآخر من الأساس! 

Scroll to Top