“علينا أن نغفر عادية كُلّ الذين كانت روعتهم صنيعة خيالاتنا.”
عندما قرأت هذا الاقتباس، ابتسمت مطوّلًا وتذكرت كل الذين ألبستهم ثوبًا من الصفات لتوقد مخيّلتي، وكم كان غفراني لخروجهم عن إطار الصورة المرسومة بريشتي صعبًا.
ثم استحضرت مقطعًا بصوت ذكرى البديع تقول فيه:
هذي اول مرة اشوفك بعيني
كنت اشوفك بقلبي
هذي اول مرة ما ترجف ايديني
وانت جالس فيها جنبي
هذي اول مرة ماحس اني اطير
هذي اول مرة احس انك اقصر
من سما حلمي بكثير
وانك انت انسان عادي مو ملاك
وقد كان يحمل معه جزءًا من الإجابة؛ عندما نرى بقلوبنا من نحب، تغدو صورة الأحباء مختلفة، عيوبهم محط مدح، وهفواتهم لا تُلمَح، ونقدهم يواجه بالقدح!
إنسان عادي مو ملاك!
من البداية هو إنسان، لم يبرز جناحاه، ولم يخبرك بأنه معصوم من الخطأ، ولكن أصررت على وضعه في مكان مرتفع، رافق ذلك تصاعد في التوقعات، فإذا تقادم الزمان، كان وقع اختلاف المأمول عن الواقع مؤذيًا!
تتداخل عدة عوامل في لحظات الانجذاب الأولى، تجعل المشاعر تطغى، فتشكِّل حجابًا عن رؤية ما قد يعيق استمرار العلاقة.
هذه العدسة الوردية قادرة على جعل الأمور تسير بمثالية، فتتطاير الفراشات، والموسيقى العذبة ترافق إيقاع المشهد، وتتمازج القطع بتناسق رهيب يعمي البصر حقيقة لا مجازًا.
حين يمضي الوقت وتتراكم المواقف، وتهدأ ثورة العاطفة، وتسكن النفس، يُتبنى موقف متطرف مضاد من الشفافية والتدقيق الذي يصبح عنوانه “هذي اول مرة احس انك اقصر من سما حلمي بكثير”!
قد يجعل ما سبق في رأسك سؤالًا، كيف أتجاوز الانبهار، وهل علي بعد إيماني العملي ببشريته قبوله كما هو قبولًا غير مشروط؟
ما جذر الانبهار؟
الانبهار منبعه العدسة الوردية المذكورة آنفًا، ويعززه نقص المعرفة، فأنت على الشاطئ، وكل خطوة لخوض عبابه، تجعلك تدرك كم كنت متسرّعًا.
هل استحوذ على تفاصيل حياتك؟
قبل قدوم هذا الشخص، كان لك جدول يومي، ومشاريع، وأصدقاء، لماذا قُلِبت الموازين وتبدلت الاولويات بوجوده؟
الاستغناء به قد يفاقم مشكلة الانبهار، فيصبح شغلك الشاغل، ومصدرك الأوحد الذي تستمدّ منه المعنى والقيمة!
على ماذا تعتمد في تقييمك؟
الشعور بالراحة أو الأنس أو الابتهاج وعدد ما شئت من المشاعر الايجابية، يساهم في جعل الأمور تبدو وكأنها في المسار الصحيح، ولكن ما تبدو عليه الأشياء لا يمثل حقيقتها.
في المقابل كلما كانت حواسك متيقظة لأدنى محفز، كانت القدرة على رصد مطابقة الأفعال بالأقوال أكبر، والافتتان بالكلام المعسول أقل.
ذاكرتك انتقائية، لذلك قد يكون اللجوء لتدوين المشهد كاملًا مساعدًا.
الكتابة سلاح مهم؛ بها تواجه ذاكرتك التي ترغب في الاحتفاظ بما يسرها، لذا استحضار المواقف صالحها وطالحها بحياد، معين على تذكر أنك تتعامل مع بشر، مزيج من البهاء والعناء.
والإقرار بوجود العيب، ليس لؤمًا، ولا تسلط على الآخر، بقدر ما هو إعادة لتضمينه في دائرة البشر، الذي يخرج منها المعشوقون بفعل مبالغة العشّاق، وسكرة مشاعرهم.
قيل: في التأني السلامة، وأنا أقول كل السلامة فيها.
الوقت والاحتكاك كفيلان بتبديد ضبابية الموقف، ويمنحان فرصة للمعرفة، وعيش رحلة كشف المستور بهدوء.
من الممكن أنك الآن تفكّر بطلاء غرفة الضيوف، ونوع النبتة الملائمة لشرفتكم، والمزحة التي ستكررها بلا ملل وتواجه بنفس الابتسامة عليها، ولكن صدقني أن هذا يسلبك متعة لحظتك، وقدرتك على تفحص الواقع، لأنك مشغول بنسج حكايا، لما يحدث فيما بعد – إن حدث-!
هل احتياجك، بوصلة سلوكك؟
هل أنت حزين ووحيد، تتمنى أن يقدرك أحد، وتأنس بوجوده، وتشاركه تفاصيل الحياة، الملل والتعب والجنون حتى؟
التحرك بدافع الاحتياج، يلغي البصيرة في كثير من الاحيان، ويجعل أحكامك اقرب لتسديد الاحتياج لا لتحديد الأنسب.
فهم الاحتياج ومعرفة عمقه، مهم لإدراك السلوك الصادر عنه وبالتالي تقنين مدى سيطرته وتحكمه..
الإحسان للنفس وسيلة لحمايتها من مستنقع الاختيارات
لأن اليد التي تحسن التربيت والاحتضان واللسان الذي يمتهن “المعلشة” والامتنان لن يجدوا في إحسان الآخر لهم أمرًا جللًا يستدعي التنازلات والتغافل عن الإيذاء الفج!
بعد كل ما سلف، نستخلص أن الآخر بشر، وله عيوب، ومفتاح العلاقات القبول، ولكن هل نقبله بلا شرط؟
القبول يساعد على تقليل الفجوة بين ما نود وما لدينا حقيقة، وبالتالي رضا أعلى، ولكن في نفس الوقت احتمال ما يمكن تغييره هو نبوءة واضحة للتعاسة!
ماذا نفعل أذًا؟
توطين النفس على أن الشعور باللخبطة ليس غريبًا؛ المحبة والانزعاج في آن واحد، والتذكر بأن الصبر هو قوام العلاقات، التي فيها تنمو وتغضب ولها تنشط ومنها تنطلق، وفيها تُنتقَد وتنتقِد، وعليه كل دعوة للتغيير هي دليل محبة لا نقيض لها.
وفي مقالنا إجابة لتساؤل بشر بن عقبة الفزاري:
فوالله ما أدري أأنتِ كما أرى
أم العين مزهوّ إليها حبيبها ؟!



