قرأت اقتباسًا يحمل فكرة قد تبدو صادمة أو غير متوقعة، ولكن بعد تأملها وجدت أنها تلامس احتياجًا غير مطروق بما يكفي.
يقول دكتور إيرفين يالوم: منذ أن كتبت عن قصص المرضى في كتاب «تعرية الحب» قبل سنوات كثيرة، افترضت أن المرضى الجدد قد يشعرون بالقلق من أن يكتب عنهم. لذلك طمأنتهم بشأن السرية وأكدت أنني لم أكتب قط عن مرضى من دون الحصول على إذن مسبق واستخدام تمويه عميق للهوية. ومع مرور الوقت، لاحظت أن مخاوف المرضى مختلفة؛ بشكل عام، هم أقل قلقًا بشأن كتابة قصصهم من قلقهم من عدم كونهم مثيرين للاهتمام بما يكفي ليقع الاختيار عليهم.
الجميع يهتم!
كاذب من يدّعي غياب التفاته للاهتمام؛ كلنا بلا استثناء نهتم ويُقلقنا غياب من يهتم عادة، ولأننا نخشى فقدًا لا عودة بعده قد نفعل الكثير.
في كل مكان هناك أشخاص يُتطلع لأنظارهم ومديحهم، لمكانتهم أو سلطتهم أو أي سبب كان، ألاحظ دائمًا كيف أن الجالسين يرددون ما قيل عنهم أو ما وجد فيهم من قبل هؤلاء وابتسم.
يخبرنا دكتور يالوم عن ظاهرة مهمة جدًّا وهي الخوف من المرور بلا أثر، أن يكون الإنسان عاديًّا لدرجة ألا يُذكر، رعب يسكنه أينما حل وارتحل.
كيف بدأت القصة؟
يبدأ الأمر من المنزل، طفل منتبه لكل ايماءات الوالدين، مغرم بضحكاتهم ومخاوفهم وفرحهم بانجازاته، يكبر ليجد أنظارًا مختلفة من زملاء وأساتذة في المدرسة، يسعد بها إن وجدت ويحبط إن غابت.
تستمر هذه السلسلة من المساعي في تحصيل المحبة، ونيل المكانة في القلوب، يكبر الجسد، وينضج العقل، ويقسو القلب بفعل التجارب، ولكن في زاوية منه، ما زال ذاك الطفل المتشوف للمحبة والاهتمام موجودًا مهما توارى في هيئة لا تشبهه.
مرور بلا أثر!
هذا ما طرحه دكتور يالوم، المرضى لم يخافوا من كشف اسرارهم، لم يخشوا أن يطلع الناس على قصصهم ومعاناتهم، خشيتهم من أن يصبحوا في طي النسيان، أن يزوروا العيادة فلا يشغلوا بال من يعالجهم، ألا تلفت حكاياهم حواسه فيحول ما سمع إلى حديث يستحق الرواية!
وهذا للوهلة الأولى عجيب، ولكن في عين المتأمل للنفس البشرية متفهم، فهو من أعمق احتياجات الإنسان؛ الحاجة لأن يُرى ابتداء ويُحب ويُفتقد انتهاء!
هل كل اهتمام مطلوب؟
للآن يبدو الأمر طبيعيًّا، نتحدث عن احتياج معين، إن لبي كان الإنسان مطمئنًا ومرتاحًا، ولكن في ذات الوقت قد يتحول هذا الاحتياج إذا لم ينتبه لطريقة تسديده إلى هوس يحيل حياة الإنسان جحيمًا.
دعني أوضح لك عزيزي كيف يكون هذا الأمر بوابة للتعاسة؛ لكل أحد شخصية واهتمامات وهيئة يحبها جمع ويستاء منها جمع وجمع لا يأبه بوجودها أصلًا.
في كل مرحلة ومكان قد تقابل خليطًا مما سبق أو ترجح كفة منهم، وعليه فإن الاعتماد على استمداد قيمتك بهذا الاهتمام من محيطك على تنوّعه يحمل مجازفة كبيرة!
كيف أتعامل مع هذا الاحتياج؟
ومما يعين على الحد من نزوع النفس لاجتلاب الاهتمام من أيٍّ كان أو أي مكان، تحديد معيار واضح لمن يشغل رأيهم فيك مساحة عندك؛ معيار من القرب والشعور والحكمة يخفف عنك عنت التشبث برأي كل “مرار طريق”.
أما ادعاء عدم الاهتمام كليّة برأي الناس ووجودهم وأثر أفعالهم عليك فهذا يُعتبر باب واسع من خداع النفس وإيهامها بما ليس من طبيعتها وأصل خلقتها.
وكم أحب حديث الشيخ سعيد الكملي عندما قال كلنا نحب الثناء لا أحد كبير عليه، ولكن الحذر كله من أن يكون دافع العمل ثناء الناس، إنما هو أمر زائد على الفعل القائم أصلًا يُسعد به ولا يُشرع في العمل فقط من أجله.
واُحب كيف أن الإسلام لا يلغي فينا حاجاتنا إنما يعيد توجيهها نحو ما يجعل من حياتنا وعاقبة أمرِنا رشدًا، فهل أنت تحب المحبة وتسعى للثناء، فانظر في كتاب الله عن مواضع تزيد من رفعتك عند الله عز وجل، وأحسِن كأن الله ناظر إليك في جميع عملك، واشحذ من همتك، وارتقِ في همّك لتنال رضاه وثناءه ومحبته، فإن كان هو أحب إليك من كل حبيب، كان رضاه أعظم ما تطمح إليه!
لا تبتئس إن كان من وددت قربه قد غض بصره، ومن أحببت ثناءه قد ربط لسانه، ومن اجتهدت لنيل مكانة لديه لم يأبه، فإن الدنيا لم توصد دونك الأبواب، وفي الأماكن والأشخاص سعة تضيقها باصرارك على هيئة من الدنيا تظن بها سعادتك، وكل ما عليك طرق أبواب جديدة لترى كم كنت غير مصيب في هذا!
وما أشد حكمة الشافعي حين قال:
“إذا لم يكن صَفو الوداد طبيعة ً، فلا خيرَ في ودٍ يجيءُ تكلُّفاً “



